آراء حرة

دكتور أماني فؤاد تكتب..ما المبرِّر لكل هذه الوحشية!؟ 

 

 

ما المبرِّر لكل هذه الوحشية!؟ 

تساؤلات لا تنطلق من مثالية الرؤية؛ من منطلَق وازِن وغير انحيازي إلا للإنسانية بمعناها الواسع المطلَق، فكرت كثيرًا، ومنذ زمن بعيد، وتتجدد كل آن تساؤلاتي: ما الأسس الجذرية التي ترسِّخ لكل هذا العداء والرفض بين الإسرائيلين والفلسطينيين، لماذا لا يوجد – بعد مسلسل الصراع، الذي امتد منذ 1948 وحتى الآن – قبول بحل الدولتين؛ لإمكان الجوار والتعايش؟ 

في كل مَرَّة أجدني أخلص إلى أن الفلسطنيين تعرَّضوا – منذ البداية – لظلم فادح، استقر بنفوسهم اغتصاب اليهود لأراضيهم وبيوتهم وثرواتهم، وهو ما ترك العداء الطبيعي، الذي سيشعر به أيُّ إنسان من أيَّة جنسية أو ديانة، لو أنه تعرَّض للخَلْع من وطنه.

هذا فضلًا عن أن كلا الطرفين يشعر بالاستعلاء على الآخَر، كلٌّ بادعائاته، كل منهما يرى الآخَر في مرتبة أدنى، لأسباب دينية وثقافية واقتصادية، كل منهما يشعر بأنه هو الأحق بالأرض وما عليها من أماكن مقدسة وتاريخ.

تساؤل آخَر يدور في ذِهني وذِهن الكثيرين: ما المبرِّر لأن تفعل حماس ما فعلته في عملية طوفان الأقصى، فهذا القتل للمدنيين وترويعهم وأَسْرهم هو ما يرفضه كل عقل وضمير سويٍّ، لا أحد يطلب من الفلسطينين الصمت على حقِّهم، لكن ربما كان الأفضل لو أنهم عاودوا انتفاضة الحجارة، حيث كانت رفضًا ومقاومة غير دموية، لم تقع أبدًا في ما استنكرناه على إسرائيل كثيرا في حوادث ووقائع تاريخية متوالية، لعل التاريخ قد سجَّل مذبحة دير ياسين وما فعلته إسرائيل في قرية بأكملها!

منذ 7 أكتوبر، والقصف الذي تلاه، تأكَّد لديَّ ألَّا عدلًا بهذه الحياة، لا إنسانية. فالوجود كله منذ الأزل ملطخ بالدماء، ما المبرِّر لأن يدفع الأطفال – الذين لا ناقة لهم ولا جَمل، ولا دخْل لهم في الصراع – ثمنَ هذا العداء الأزلي؟

هل تتوقع إسرائيل أن مَن سيبقى على قيد الحياة من أطفال غزة، مهما تشتتوا ونزحوا، بكل ما شعروا به من خوف ورعب ويتم وهدم وخراب، والتعود على رؤية الدماء وإراقتها، هل تتوقع أنهم سيتركونهم في آمان، تراكُم مسلسل هذا الثأر لا يُنهي خطرًا، ففي أيَّة لحظة سينفجر غضبهم. كيف ستضمن إسرائيل لدولتها ومواطنيها أمانًا في المستقبل؟

ما المانع لو أن هناك مبادرة إنسانية حقيقية، يتفاوَض فيها بَشر يريدون التفاهم، يزيحون كل هذا التاريخ الأسود، الذي تراكَم بينهما، يجلسون معًا لحقْن دماء الأبرياء، وكتابة نهاية إنسانية عادلة لملحمة الشرور تلك، فعلى مائدة مفاوضات جادة يمكن أن نجد حلولًا دائمة.

علينا ألا نفقد إيماننا بالإنسانية فالمستقبل بأشد الحاجة إليها.

في تلك اللحظة، أتذكَّر السادات ورابين، وكيف كانا الأعلى تعقُّلًا وموضوعية، الأعلى إنسانيًّا حين كتبا معًا سطور معاهدة سلام، حقنت مسلسلًا من إراقة دماء الأبرياء.

 تساؤل آخَر أراه يفرض ذاته بقوة، هل واجَهَت الحضارة الغربية نفسها بعد هذه الأحداث الأخيرة، الوحشيَّة الإسرائيليَّة بكل عتادها ضدَّ الشَّعب الفلسطينيِّ الأعزل، هل عرفت أنها حضارة القِيَم المزيَّفة والمقولات الرنانة المجوفة، هل أدركت أنها مزدوَجة المعايير؟

اليوم يستعدي نيتنياهو الغرب على الفلسطينيين العُزل جميعهم؛ ليقول: “إذا انتصرت حماس سنخسر جميعًا، وسيكون الأوربيون والحضارة في خطر.” أيَّة حضارة تلك التي تقف مع هذا الكيان الإسرائيلي، وهي لا ترى أسس وجذور المشكلة التي أنتجت كل هذا، حينما اغتصب اليهود أرض فلسطين؟

 لماذا لا يفرِّق عقلاؤها الذين أنتجوها بين الإسلام السياسي (حماس)، والإسلام الحضاري، بين حماس هذا التيار الإسلاموي والشعب الفلسطيني العادي، الذي لا ينتمي لهذا العنف وتلك الدموية؟ كيف يرون حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، دون أن ينظرون لحل جذور الخلاف؟

كل ما يهتم له الغرب حزمة من الاعتبارات والمصالح التي تتقاطع مع مصالحهم، لتحكُّم يهود العالم في مؤسسات اقتصادية وإعلامية كبرى، كما أن بعض دُوَله كألمانيا تناصر اليهود في أيِّ شيء، حتى لو كانوا هم الظالمون؛ لتنفي عن نفسها تاريخ اضهاد المانيا لهم. 

وإذا اعتبرت إسرائيل نفسها دولة أنضجَ سياسيًّا، وأقدر اقتصاديًّا وعسكريًّا كما تدعي، ألا يتطلَّب هذا منها بعض الموضوعية والإنسانية، لا رَدَّ الصاع بعشرة، ثم تتبرأ من أفعالها وتختلق الأكاذيب لتقول إنها ليست من تُطلق الصواريخ، وتقتل العُزل، وتهدم المباني فوق رؤوسهم، ثم تُلقي فعْلتها غير الإنسانية على حماس؟

كل الأسئلة الإنسانية – التي ترد على بال أيِّ مراقِب للموقف – تدعو الغرب، بمفكِّريه ومثقَّفيه، بمواطنيه كافة، إلى استنكار جرائم حماس، لكن ومنطق العدل استنكار جرائم إسرائيل أيضًا، وإلى الإعلان عن موقفِ تأييدٍ صريحٍ لحقوق شعب فلسطين الثابتة في أرضه؛ كما عليها أن تدعو الطرفين للالتزام بحوارٍ، إلى أن يجد العالَم حلًّا في قضية القرن، فانطلاقًا من قاعدةِ القِيَم والمبادئ العُليا، التي تقوم عليها الحضارة الإنسانيَّة، علينا أن نكون فاعلين، وليس أبواقًا تردِّد من القِيَم ما لا نستطيع التصرف وفْقه، على الجميع العمل على إرساء طُرُق وآليات للوصول إلى حلول تنبو وترفض هذه الوحشية من أيِّ طرف من طرفَي الصراع.

يتباهى الغرب بأن مفكِّريه ومثقَّفيه ومبدعيه هُم مَن يقودون الرأي العام، ولهم تستمع النظم السياسية وأشكال السُّلطة كافة، هكذا ادَّعوا كثيرًا، ولذا نَصِفُهم بالعالَم الأول، المتقدِّم، المفكِّر، المنتِج، الداعي لحقوق الإنسان، والالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية، هل أنتم – يا كل مثقَّفي ومفكِّري الغرب – راضون عن فرْض هذه الوحشية على شعب بكامله؟ وإبادته بأطفاله ونسائه وشيوخه، أخْذِه بجريرة جماعة متشدِّدة، تتجدد في ذاكرتها حوادث ووقائع كثيرة مشابهة لإسرائيل؛ بل أعنف؟

من منطلَق وازن وغير متحيِّز أيضًا إلا للعدل، ما المبرِّر أن تُصدَّر لمصر فواتير وأثمان القضية الفلسطينية، منذ بدأت، وحتى الآن. فلطالما اكتوت مصر سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا بقضية فلسطين. أمس حكى لي الروائي طارق الطيب أن والده كان ضمن آخِر العائدين من حرب 1967، وكان قد ظَلَّ في تِيه سيناء أكثر من عشرة أيام، يقول إنه رجع محطَّمًا، في حجم ضئيل، يكاد يلفظ أنفاسه، دون طعام وماء، في حالة من التخبط المرير، فاقدًا للثقة في أيِّ معنى أو قيمة للحياة. كان هذا هو حال ملايين من المصريين في كل الحروب السابقة مع إسرائيل، لقد دفعت مصر بكل شرائح شعبها أثمانًا باهظة على مستويات متعددة لنصرة تلك القضية، ولم تَزَلْ مصر هي المنشغِلة دائما بهذه القضية، لكن القبول بنزوح الفلسطينيين لسيناء الآن سيفرِّغ القضية الفلسطينية، ولو رحل الفلسطينيون لسيناء؛ سيتأكد للجميع أنهم لن يعودوا، وستنتهي فكرة أرض الوطن. كما أن للعدو نواياه؛ حيث تخطط إسرائيل لدولتها من البحر إلى المحيط، وهو ما يتعين على الجموع أن تَعِيَه، كما وَعَتْه القيادة السياسية، ولذا تقف وقفتها الحاسمة تلك.

كل ما أدعو العالَم له: المساواة، وعدم الكيل بمعيارَين، الإيمان بنضالَ الشَّعب الفلسطينيِّ من أجْل حقوقه الوطنيَّة المشروعة، العادلة، أُسوةً بما تفعله قطاعاتٌ من مواطنين الكثير من الدول، حيث رأينا الحشود – في القنوات الإخبارية، ومواقع التواصل العالمية – ينادون بـمواقفَ مبدئيَّةٍ مشرِّفة وعادلة للجموع من شعوب بلدان أوروبا، وللأسف هناك وجْه آخر لا يرى سوى إسرائيل وحقوق شعبها وأمنه، مناصرة اليهود، بالرغم من أن ما أتَوا به من جرائم يفوق بعشرات المَرَّات ما فعلته حماس.

هل الفلسطيني العربي المسلم من طينة والإسرائيلي اليهودي من طينة أعلى؟ سؤال يتعيَّن على الغرب أن يجيب عنه، بكل قِيَم حضارته، واستمراره يطنطن بها، ويهدد بها الدول الأخرى وإلا فرض عقوباته، فلقد صنَّفوا أنفسهم الأكثر رُقيًّا ونُضجًا وعدلًا؟

أين هو العدل وأنتم تصمتون تجاه كل هذا الظلم والقهر، الذي تنطق؛ بل تصرخ به الصور والفيديوهات، التي نراها جميعًا للفلسطينين وأطفالهم، وتُنشر كل يوم وساعة ولحظة؟

علينا جميعًا حماية المبادِئ والقِيَم الكبرى، التي صنعتِ الحضارةَ الإنسانيَّة الحديثةَ؛ ولأنّنا نتقاسم الحياة علينا أن نتعلم استيعاب أحدنا للآخر، لا لما فعلت حماس، ولا لما فعلت إسرائيل، نعم للاعتراف بحقِّ الشُّعوب في استرداد أراضيها المحتلَّة، وفي تقرير مصيرها، وعيشها آمنة، نعم لحق مصر في الدفاع عن أمنها الخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى