آراء حرة

نزهة الإدريسي تكتب.. المغرب غلاء بسبب الرخاء

المغرب غلاء بسبب الرخاء

تسود العالم موجة من الغلاء لأسباب متعددة ، منها الجفاف الذي حول بعض المجاري المائية التي كانت لا تنضب الى طرقات معبدة تجتازها الدواب بدل المراكب مثل ما حصل في بعض الأنهار بأوروبا مثل نهر الراين الذي يعد أهم أعمدة الاقتصاد الأوربي والذي يعبر كلا من هولاندا، و ألمانيا ، وسويسرا والذي أصابه الجفاف الشيء الذي يعيق حاليا حركة الملاحة فيه ونقل البضائع ،هذا بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ.

أضف الى ذلك الحرب الدائرة بين روسيا و اوكرانيا التي تسببت بنقص كبير في الغاز لبعض الدول المستوردة من البلدين وكذلك بعض المواد الغذائية الأساسية مثل القمح . الشيء الذي أحدث خصاصا ملحوظا في هذه المواد ومشتقاتها ليس في أوربا فحسب بل بكل العالم بما فيه وطننا العربي. مما عزز موجة الغلاء.

رغم ان هذه الموجة او النائبة غير متكافئة بكل الدول ولها أوجه متعددة.

اما بالمغرب فلها لون آخر، انه الغلاء بسبب الرخاء !!

يعتبر المغرب أهم مصدر للمنتوجات الفلاحية للخارج خاصة لأوروبا ، سواء منها الزراعية كالخضروات والفواكه، أو لحوم المواشي و الأسماك لتوفره على اراض زراعية شاسعة تمتاز بتربتها الخصبة، كما تموقعه الجغرافي على ضفة البحر الأبيض المتوسط الذي يغطي كل مدنه الشمالية، و الأطلسي الذي يغطي كذلك كل مدنه الغربية.. وهذا ما يوفر له ثروة سمكية هائلة تغطي حاجاته الداخلية و تفيض للتصدير.. ودعما لكل هذا فالمغرب يتوفر على 70 بالمائة من المخزون العالمي من الفوسفات، الشيء الذي جعله من اللاعبين الأساسيين في السياسة الزراعية العالمية عبر الأسمدة المتنوعة التي يتوفر عليها و التي توافق انواع كثيرة من التربة مما ضاعف من صادراته .

كما ان المغرب يمتلك صناعة أسمدة كبيرة بقدرة إنتاجية ضخمة وانتشار دولي هائل، وهو واحد من أكبر أربع دول مصدرة للأسمدة في العالم بعد روسيا والصين وكندا.

أشار تقرير نشرته مجلة “

The conversation” المتخصصة في الطاقات والبيئة إلى أن الأسمدة المغربية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية؛ الأسمدة النيتروجينية والأسمدة الفوسفورية وأسمدة البوتاسيوم.

كما أبرز،أن المغرب يتمتع بسمة مميزة في إنتاج الأسمدة الفوسفورية، إذ يمتلك أكثر من 70 بالمائة من احتياطيات صخور الفوسفاط في العالم، والتي يُشتق منها الفوسفور المستخدم في الأسمدة.

ما يجعل المغرب كما وصف ” حارس بوابة لسلاسل الإمداد الغذائي العالمية ” لأن جميع المحاصيل الغذائية تتطلب عنصر الفوسفور لتنمو بشكل أفضل . هذا إلى جانب ما يتوفر عليه المغرب من مساحات و مدخرات مائية تكمن في المجاري المائية و الأنهار التي تتغذى على التساقطات المطرية والثلوج التي تستقبلها سلاسل الأطلس والتي تعتبر خزانات مائية طبيعية إضافة للسدود التي تدخر مياه التساقطات المطرية، وتوفر الطاقة.

هذا إلى جانب سياسة إصلاح الأراضي التي تنهجها المملكة و الاهتمام بالمجال الفلاحي من حيث توفير التقنيات والمواد اللازمة لتسهيل عمليات الزراعة بالنسبة للفلاح، كما تهييئ وتسهيل منافذ التسويق من معارض و فعاليات وأسواق، داخليا وخارجيا .

منذ أن بدأت الحرب الروسية الأوكرانية، اختل توازن الاقتصاد العالمي وبخاصة في أوروبا.

فروسيا تمثل أكبر مصدر للأسمدة في العالم بـ 15.1 بالمائة من إجمالي صادرات الأسمدة. كما تمثل الأسمدة واحدة من أكبر نقاط الضعف بالنسبة لأوروبا وأفريقيا. إذ تغطي 30 بالمائة من حاجيات الاتحاد الأوروبي (جميع الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد) وبالتالي فهذه الحرب بين روسيا واوكرانيا لها تداعيات خطيرة جدا على الأمن الغذائي لهذه الدول .

وكما يقول المثل ، مصائب قوم عند قوم فوائد ، فقد تمكن المغرب في هذه الظرفية الحرجة أن يعوض ولو نسبيا حاجة الدول المتضررة من النقص في الأسمدة المستوردة من روسيا وأن يصبح مركزًا لسوق الأسمدة العالمي و”حارسًا لإمدادات الغذاء العالمية ” .

والحالة هاته ، كيف يمكن لحارس الإمدادات العالمية من الغذاء، أن يصبح ببيته خصاص منها ؟!

فمع كثرة الطلب على الغذاء وتعثر زراعته وصناعتة عالميا. فقد تعاظم الطلب على المنتوج المغربي لوفرته و جودته للعوامل المساعدة التي سبق ذكرها. وهكذا اجتاح الوسطاء و المضاربين، الحقل المغربي قبل وصول بضاعته للأسواق. و وجهت أغلبها نحو التصدير سواء لأوروبا او دول الساحل الافريقي.

فبسؤال احد منتجي البيض عن سبب ارتفاع ثمنه، أجاب أن معظمه يصدر لبلدان أفريقية، كانت من قبل تستورده من أوروبا لكن بغلاء سعره هناك تحولت للاستيراد من المغرب لثمنه المناسب، وبسؤال احد تجار اللحوم الحمراء عن سبب غلاء اللحوم رغم وفرة المراعي الطبيعية والأعلاف قال أيضا إنها توجه للتصدير لدول إسلامية بها خصاص من المادة. اضف الى ذلك تزايد الطلب على المنتوجات من الخضر والفواكه من قبل دول الاتحاد الأوروبي. نظرا لضعف الإنتاجية لديهم لقلة الأسمدة و الجفاف الذي تعرفه أراضيهم.

غلاء الأسعار بالمغرب اذن لا يرجع لأي خصاص في الموارد الغذائية بل ربما هي ضريبة النجاح الذي صار عليه في هذا الميدان حيث يتربع الآن الى جانب دول كبرى على المربع الذهبي من حيث إمدادات العالم بالغذاء.

 لكن يبقى السؤال هل يتمكن المغرب من إدارة هذه الأزمة العجيبة؟ وكيف يوازن بين الطلب الخارجي ومتطلبات السوق الداخلية ، حتى يحد من جشع التصدير وتعود الأسعار لسابق عهدها ..؟

نزهة الإدريسي/المملكة المغربية

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى