آراء حرةسمير المصري

الدكتور سمير المصري يكتب.. عيش وملح

عيش وملح

 

 

في تعبير قديم ماشى بينا وبين بعض وبنقوله من غير ما نفهم معناه على حقيقته ، فى حين أننا لو فكرنا فيه شوية ووصلنا لمغزاه هنحترمه أكتر مما نحترمه، ونقدره أكتر مما بنقدره.. التعبير بيقول “بينا وبين فلان عيش وملح”..

 والمعنى الظاهر والواضح من الكلمة أنه في بين الاتنين مودة وحب قديم وصداقة متينة . 

 لكن كمان في معنى خفى للكلمة أكبر بكتير .. يعنى لو مكنتش معايا والدنيا مديانى قفاها ومش شايف منها غير شرها ، يبقى مفيش منك خير لما تضحكلى والحظ يبقي معايا .

ولما اتكلم عن العيش والملح وعن أهمية العيش في الملح التعبير بيقول ” بينا وبين فلان عيش وملح”.. والمعنى الظاهرى من الكلمة أنه في بين الاتنين مودة وحب قديم وصداقة متينة، لكن المعنى الخفى للكلمة أكبر بكتير.. يعنى لو مكنتش معايا والدنيا مديانى قفاها ومش شايف منها غير شرها يبقى مفيش منك خير لما تضحكلى والحظ يترآى لى. 

….. بيننا عيش وملح…

هذا المثل دارج نسمع به عندما نتكلم عن العلاقات الطيبة الصادقة بين الناس، علاقات أقوى من العلاقات المبنية على صفحات الفيس بوك، وصفحات التواصل الإجتماعي الأخرى .

العيش والملح استخدم كرمز للوفاء ، وصيانة العهد منذ قديم الأزل ، وما زال هذا المثل أو هذه المقولة تتردد دائمًا فى الأحياء الشعبية ، ولا يقدر معناها إلا أولاد البلد .

 وعندما يتردد صدى هذا المثل في المجتمع فاعلم أن هناك عتاب.. لوم.. عشم.. صلح بين متخاصمين، وحينما تقال تحجب ويسدل الستار على كل بغض أو كراهية.

لقد كانت الناس قديما لا تخون، ولا تظلم، ولاتسرق بعضها البعض خاصة إذا كان بينهم كما يقال عيش، وملح، وذلك لوجود دلالة عظيمة في نفوس من يقدر هذا الشيء،  

أما من كان يخالف ذلك فكان يحارب عن طريق الجفاء، ناهيك عن سمعته السيئة، واللتي أقلها وصفه بأنه ” سويد وجه ” .

ترد العبارة ” بيننا عيش وملح ” او ” بينا عيش وملح ” في بعض اللهجات العربية الدارجة في سياق العتاب بين الأصدقاء، والمصريون هم الشعب الوحيد الذى يطلق على الخبز لفظ العيش ، الكلمتان مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا بالطعام “الخبز والملح”، فهما سيدا الطعام ولا غنى عنهما فى أى طعام،

فالعيش يعنى الحياة من العيشة والعائش هو الحي، والملح يعنى الاستمرارية فدائمًا كنا نحتفظ بالأشياء لمدة طويلة ونحفظها من الفساد بالملح.

وهناك من يقول أنّ المقصود الكناية عن عمق العشرة بين الأصدقاء، وهنا يأتي السؤال 

ما الصلة بين العيش بمعنى الحياة وملح الطعام ؟ 

  بين الرجلين ممالحة ، وفلان لم يحفظ الملح ،

 فلان لم يحفظ الملح أي لم يحفظ الرضاع ، وهذا المعنى مدوّن في بعض المعجمات اللغويّة ، ومن هذا يتبيّن أنّ المعنى المقصود – كما يبدو – من جملة ” بينَنا عيشٌ وملحٌ ” أنّ بيننا عشرة حيوية وأخوّة رضاعٍ ، وهذان الأمران يدعوان إلى طيب المعشر واستمراره بين الأصدقاء، 

وهذا التعبير من باب الكناية، وليس على سبيل الحقيقة؛ لأنّ الأصدقاء غالبًا ليس بينهما أخوّة رضاع، ولكن عُبر بها لشدّة ما بين الأصدقاء من الإخاء في العشرة، 

 دلالة المقولة العاميّة المعاصرة ” بيننا عيش وملح ” بما يماثلها في عاميّة التراث، وذلك في قول العرب “بين الرجلين ممالحة ، وفلان لم يحفظ الملح ” .

بالأضافة لذلك فقد وقعنا عليه بصيغ أخرى عديدة فى عدد لا بأس به من موسوعات ومعاجم الأمثال الشعبية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر

– اللى ياكل عيش السلطان يضرب بمزماره

– اللى ياكل عيش السلطان يضرب بسيفه

– اللى ياكل من مائدة السلطان يحارب بسيفه

– اللى ياكل رغيف المظلوم يحارب بسيفه. 

 العيش له وضع خاص منذ قدماء المصريين وحتى الآن. فنحن نقدس الخبز لأن الخبز هو وقود الحياة ، فبمجرد وجود العيش مع الملح تستقر الحياة وتستمر . 

ولذلك فهو يدخل فى منظومة القيم التى يتبعها المصريون . فنحن نجد الناس فى تعاملاتهم يقولون ” أنا أكلت معاه عيش وملح ” وهذا معناه عدم الخيانة والالتزام بالعلاقة لأننا اقتسمنا الحياة .

 وكلمة العيش تعنى الرزق فنحن نقول دائما أكل عيش أى أن الناس يكدون ويكدحون من أجل هذه اللقمة التى تمثل بالنسبة لهم استمرار الحياة واستقرارها،

   الخلاصة  

عرفت أهمية العيش عند المصريين… ايه ؟ 

  هو عنوان الأمان لحياة كريمة ، هانئة ، بل هو عنوان الحياة ، لا تتعجب من الاهتمام بتوفيره ، وضرورة وجوده عل مأدبة طعامنا ، هو الحياة للغني والفقير .. 

لذلك فأنا أرى أن الخبز محطة شديدة الأهمية من محطات فهم طبيعة العقلية الجماعية المصرية لأن من خلاله يمكن الكشف عن طبيعة التفكير عند المصريين.

للخبز مكانة خاصة فى نفوس المصريين تصل إلى درجة التقديس على مر عصورهم ، دارت حوله الكثير من عاداتهم ومعتقداتهم التقليدية وله من الأسماء الكثير المتداول مثل العيش إشارة للعيش وللحياة ذاتها وغيره من المسميات للدلالة عليه مثل اللقمة أو القوت أو الرغيف.

 ولقد انتشر الخبز فى كثير من الآداب الشعبية القولية مثل الأغانى والحكم والأمثال وهى تعنى بتقديسه وأهميته حتى أنه يطلق على العمل الذى يمتهنه الإنسان ” أكل عيش ” 

 ويصادفنا كثير من الأمثال التى تتخذ من الخبز موضوعها مثل ” كل لقمة حبيبك تسره وكل لقمة عدوك تضره “، ” يا واكل قوتى يا ناوى على موتى ” ، ” مين ياكل عيش السلطان يضرب بسيفه ” دلالة على قدسية العيش التى تجعل الإنسان أسير من يأكل من عيشه ، ” اللى ياكل لقمتى يسمع كلمتى “

 وأيضا هناك أمثلة أخرى تعتبر الخبز نعمة مقدسة مثل ” لم النعمة تلمك ” وفيه دعوة للحفاظ على الخبز وعدم إهداره، ” البطران زولان نعمة “

 أي لابد من احترام الخبز وعدم التعالى على أكله، ” الجعان يحلم بسوق العيش ” ، ” لقمة هنية تكفى ميه “، ” اللى يستكتر غموسه ياكل عيش حاف ” ، ” شحات وعايز عيش قمح ” ، ” فلان ما بيضحكش للرغيف السخن “، ” هوه ماكنش عيش وملح ” ، ” الخميرة أميرة ” 

 ذلك لأن الخميرة من أهم مكونات العيش ولها أهميتها لدى صانعيه لذا فهم يقولون ” وشه يقطع الخميرة من البيت “

      غدا صباح مصري جديد …

                                             

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى