إبداعات أدبية

طه العبد يكتب.. مَواقيت باللَّونِ الأزرَقِ لأوجَاع الماء

 

يَفرِشُنَا الَّليلُ السَّاكِنُ فوقَ سطُوحِ الذِّكرَى،

يَنبُشُنا برُقَاقةِ زَيتٍ عَرَبيٍّ أتَذكَّرُه

من شجرِ الجنَّةِ يأتي متّشحاً بالفرحَةِ ؛

والأحزانُ تُطارِدُه في مَلكَاتِ السَّيل ..

تَتْبَعُهُ أطيَارُ اللهِ وتَسْتَولي أفئِدَةُ الأشجَارِ عليه

هَا رَائِحَةٌ، مِنْ شَفَقِ البَحرِ،

ومِن وَجَعِ المَوجِ عَلَى صَخْرٍ يَتَكَسَّرُ مِنْهُ المَاءُ.

مِن دَفقَةِ بَحْرٍ يَأتِي مَوفُوراً بالسَّمَكِ النَّاضجِ، والطُّحلُب…

لَمْ أتَذكَّرْ أيَّ امْرَأةٍ ممَّن وَقَّعَن بِأحرُفِهِنَّ

فَوقَ شِغَافِ القَلبِ إلاَّكِ أنتِ،

حِينَ تَنَاوَشَنَا البُعْدُ،

فِي ذَاكِرَةٍ يَمْلَؤُهَا القُرْبُ حَنِيناً مِن غَرَقي فِيَّ

يا امرأةً تَغزلُ أنهَارَ القلبِ بإصبعِها،

وتُعَمِّدُ فِيَّ مَوَاقيتَ الدَّهشَةِ والكَلِمَات.

تَقرأُنِي باللُّغَةِ الكَنعَانِيَّةِ،

تكتُبُنِي باللُّغَةِ المِسمَارِيَّةِ فَوقَ جِدَارِ البَحرِ

وَتَرحَلُ فِي كُلِّ شرَايينِ الجَسَدِ المُتَحَفِّزِ للشَّجَنِ المَخبُوءْ..

كَم بَحرٍ يَخْلَعُ مَعطِفَهُ الأزرَقَ كَي يَحْمِيَنَا مِنْ فَوْرَةِ مَاءٍ،

شَاهَدَهُ البحَّارَةُ.. أَتْعَبَهُ النُّوءْ

وَأَقُولُ أَجيئُكِ مِنْ غَمَرَاتِ السَّيْل،

وَمِنْ فَلَقَاتِ الصُّبْحِ، أُحِبُّكِ، هَذَا ذَبْحٌ، وَلُجُوءْ .

وَيَفِيضُ حَنينِي

كَسَاقِيَةٍ فِي حَقْلٍ يَتَعَطَّشَ مَاءً

زُرْقَتُهُ تَتَوَسَّدُ كَفَّيَّ،

مَا أجْمَلَنَا حِينَ نُعَرِّي المَاءَ وَنَسْكُبهُ فِي مَلَكَاتِ النَّفْسِ،

وَنَشْرَبُ مِنْ كَأسٍ وَاحِدَةٍ

مَا أَجْمَلَنَا حِينَ نُفَتِّشُ عَنْ سُبُلٍ

كَي نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَضجُّ بِكُلِّ الطُّرُقَاتْ

يَا امْرَأَةً؛ حينَ أراها تَشْرَعُ فِي تَطرِيزِ ثيَابِ العُرسِ الدَّامِي

ألوي الكُوفِيَّةَ،،

أحْمِلُ فَأسِي،

وأُعِدُّ بِذَارَ القَمحِ وَأَذهَبُ فِي مَوْجَةِ زَرْعٍ

لاَ أفْتَأُ أَنْ أَخْرُجَ مِنْهَا حتَّى يَتَلَبَّسَنِي تَعَبُ الأمس

أدْعُوكِ البَحرَ؛ أدعُو نَفسِي للعَومِ، أُجَدِّفْ

وَيصِيرُ كِلاَنَا مِيقَاتَاً للْمَاءِ

نَهطلُ مِثْلَ غُيومٍ فِي أوَّلِ كَانُونَ مُحَمَّلَةٍ بِرَذَاذِ الصَّيف

عَلَّقتُ مَنَادِيلَكِ فَوقَ حِبَالِ القَلبِ،

أجِيئكِ فَانتَظِرِينِي وَأتِمِّي قِرَاءَةَ مَائكِ فِيَّ…

قَبْلَ سُوَيْعَاتٍ،

لا نُدرِكُ فِيهَا كَيْفَ نَمُوتُ بِسُنْبُلةٍ

تَطْلُعُ مِنْ جَبَلٍ يَتَوَرَّدُ خَدَّاهُ

إذا ما أقْبَلْنَا نَحْتَضِنُ الرَّغبَةَ فِيهِ

كَمْ أَهواكِ فِيه؟!

كَمْ أهْوَاهُ لأَجْلِكِ يَا سَيِّدَةَ البَحْرِ الأَزّرَقِ،

وَشِرَاعَ الزَّوْرَقِ،

والنَّوْرَسِ،

وَالسَّنَّارَاتِ المَعْقُوفَاتْ!

كَمْ أهْوَاكِ قَبْلَ رَحِيلِ النَّورَسِ عَنْ شاطئِ قَلْبِي

لِيُفَتِّشَ عَنْ رِزْقٍ فِي دَمِهِ النَّازِفْ!

كَمْ أهْوَاكِ حِينَ تَعُودُ بَوَاخِرُ صَيْدِ السِّرْدِينِ

مُحَمَّلةً بِاللّمعَة

أو حِينَ أفَجِّرُ حَقْلِيَ قَمحَاً أَصفَر!

كَمْ مِيقَاتٍ للمَاءِ تَبَقَّى!

كَمْ بَحرٍ يَخْلَعُ مَعطفَهُ الأزّرَقَ كَي يَحميَنا!

وَتَقُولِينَ أُغَامِرْ ؟!!

غامَرْتُ كَثِيراً،

وَها إنِّيَ أتَعَشَّقُ حتَّى نُخَاعِ العِشْقِ الآنَ ..

فَاكْتَتِبِي وَجَعِي،

وانتَظِري أنْ يتلقَّفَنا الموجُ كسَاريَةٍ

بعدَ هُجُومِ الرِّيحِ على مَركَبِ لَيْلٍ

يَسرَحُ فِيه النَّجْمُ بَعِيْدًا

شَاهَدْتُ الشُّهدَاءَ هُنَالِكَ

بالأزرَقِ لوَّنْتُ ضِيافَتَهم

قالُوا :

((سلامٌ، حينَ أتَيْتَ، وحِينَ تَعُودُ،

وحِيْنَ تُلاقي امْرأَةً لا ينسَاها القَلْبُ))

فأخَذْتُ قُطَيْرَةَ مَاءٍ غنَّيتُكِ فِيها ..

حينَ تلقَّفَني الكَرمِلُ

قبلَ وصُولِيَ للغَورِ أتيتُكِ مِنْ نَبْعٍ

يتوحَّدُ فِيه النَّبْضُ،،

يتزوَّجُهُ (إيـلُ) كي لا تَنبضَ فِيهِ النَّارُ،

وأَخَذْتُ مَسَامِيرَ اللّوحِ إليكِ،

أشْرَعْتُ ضيافَتهم فِيَّ كصَارِيةٍ لعُبُورِ اليَمِّ

وتشَارَكْنَا فِي الهَمِّ ..

وتَقُولِينَ أُغَامِر ؟!

أَخْبَرتُكِ أنَّ الشَّهداءَ تلقَّفَهم وجْدٌ للّيلِ

فرَاحُوا يسْتَرِقُونَ السَّمعَ لصَوتِ خَريرِ الماءْ .

وقال القائِلُ مِنْهُم:

((هذا مكتُوبٌ فِي لَوحِ القلْبِ على قمَّةِ وَجدِ الكرْمِلِ

حينَ يُنَاجي طِفْلٌ لَيلاهُ الكَنْعَانِيَّةَ

يذْكُرُ أنَّ البَحرَ نُفوذٌ لا يأسرُهُ البَحَّارُة فِيه))

فاحْتَطِبي جَسديَ للشّهداءِ وَقودًا للفوَرةِ والتّنُّورِ

وانْتَظِرِيـنِي فِي التِّيه

أو ذَاكِرَةِ الأزَرقِ والمِلحِ وغَيمٍ لا تَنقُلُه الرِّيحُ بَعِيدًا

عَنْ سُفُنٍ يُحزِنُها السَّفَرُ الآخِذُ فِي البُعْدِ .

هيّأتُكِ قِنْدِيلاً،

فَاحْتَرِقِي مِثْلِي..

لَنُضِيءَ الدَّربَ أمَامَ الآتِينَ إلى وَسَنِ الحَاضِرِ

مِنْ مَلَكَاتِ المُسْتقبلِ،،

وانْتَظِرِي

يا ربَّةَ هَذا الوَجدِ الصُّوفِيِّ إليْكِ

سَأعُودُ قَريْبًا مِنْ لَيْلٍ لوَّنْتُ مسَارِبَهُ بالأزْرَقِ صُبْحًا،،

واحتَشَدَ القَمَرُ الفِضِّيُّ أمَامِي،

يَتَذكَّرُنِي ويُذكِّرُنِي بِنِسَاءٍ كُثرٍ ..

لم أعرِف أيًّا مِنْهُنَّ، وقال:

كمْ مِنْ شَجَنٍ لوَّنتَ السَّوسَنَ فِيه؟

أجَبتُ حَزِيْنًا:

لكنَّكَ يا قَمَرَ اللّيْلِ الأزْرَقِ

خُنْتَ مودَّتنَا قَبْلَ جُذُورِ التَّارِيخِ،

أرقْتَ دِمَانا في حَضرَةِ (عشتَارَ)

فَرُحْنا نَبْكي عَنَاءَ (عنَاةَ)

زوَّجتَ سمَاءَ النَّكبةِ مِن هذا

أديمِ الأرض،

فَتَذَكَّر،

إن نَبَضَت ذاكِرةُ النَّبضِ .

واتْرُكنِي أَتَعَلَّمُ كَيفَ أُطيِّعُ كلَّ مَسَافَاتِ الثَّلجِ عَلَى رَفضِي

وأَعُودُ لِسَيِّدَةٍ لَمْ أَتَذَكَّرْ إلّاها

حِيْنَ تَنَاوَبَ مِيْقَاتُ المَاءِ عَلَيَّ

هلْ تَبغِي جَسَدِيَ قَنطَرةً لِهِلالٍ قَادِم؟

أشرِع قَانُوَنكَ فِيَّ ..

واغْرُز أنيَابَكَ فِي لَحمِي المَيِّتِ

كالبَحرِ المَيِّتِ والمَالِح،

هذا إظفرُكَ الجَارِح ..

لم أتذكَّر أيَّ امرَأةٍ،

إلّا سَيِّدةً غَمَرَتْ كفَّيْها بالرَّمْلِ وطشَّتْ َودَعًا،

قالت: يَعْتَرِفُ الذِّئْبُ بِمَوْتِ الشَّاةِ،

لكنَّ الذِّئبَ يُغَادِرُ مَخْدَعَهُ

حتَّى يتَبيَّنَ نُورَ النَّقمَةِ فِي أوَّلِ أشهُرِها الحُرمِ

اللّيلةَ فاذهَبْ عمَّدْتُكَ،

هذا مِعْمَادُ الحُلمِ .

فأيَّ النَّجَماتِ تُرِيد؟

إنِّي أسْكُبُها نَهْرًا يَتَدفَّقُ فِي قائِظِ رملِكَ

هذا الرَّملِ المُهمَل ..

فَتَدَفَّق يا نَجمَ الليلِ أَراكَ اتَّسعَت شَفَتَاكَ تَمَهَّل،

لم أكمِلْ

إنِّي استَقرَأتُ نُبُوءَتَها،

وحَفَظتُ وَصِيَّتَهَا

حيْنَ اقْتَرَبَ الكَرْمِلُ مِنِّي،،

وَشْوَشَ فِي أذُنِي،

خبَّرَنِي أنَّ الإكلِيلَ وَليدُ الزَّيتُونِ،

وأنَّ هنَالِكَ دَالِيةً تَرقُبُني..

وأنَا فِي السِّرِّ خَبِيءُ

فَنَسِيتُ النَّجمَةَ

حِيْنَ تَذَكَّرتُ امَرَأةً غَمَرَت كَفَّيها بالرَّملِ

وطشَّتْ وَدَعًا،

ورجَعْتُ كطِفلٍ يَعرِفُ كَيفَ يُرَاوِغُ حِينَ يُسِيءُ

وبَكَيْتُ قَليلاً فِي السِّرِّ

لوَّنتُ الأزرقَ باللّيلِ

ولوَّنتُ اللّيلَ بِلَونِ البَحْرِ

غنَّيْتُ قليلاً،

وتجاذَبتُ حَدِيثِي فِي نَفسِي،،

وأضَعْتُ دَقَائِقَ مِنْ عُمْرِ البّحْرِ ومِنْ عُمْرِ الحِبْرِ هُرَاءً،

فاتْرُكْنِي أتذَكَّرُ ما شِئْتُ

سَيَذكُرُنِي الآهُ ..

واتْرُكْنِي أتَعَشَّقُ مِنْ أوْجَاعِ المَاءِ بِمِيقَاتٍ،

يَشْتَدُّ مَدَاهُ ..

واتْرُكْنِي أتقيَّأُ ربَّةَ هذا الزَّيتُونِ

فداليةٌ تَرْقُبُنِي .

الآنَ أغَامِرُ يا سَيِّدَتِي ..

فاقْتَرِبِي،،

حتَّى يَتَوَحَّدَ فِينَا الوَجْدُ بِسَارِيَةِ المَرْكبِ .

نَحفِرُ بالصَّخرِ على شَاطِئِ حَيفا

بالإظفِرِ إنْ لَزِمَ الأمْرُ

حدَّ الحجَرِ الجَارِحِ (إيفا)،،

أعْشَقُكِ حتَّى نُخَاعِ العِشْقِ

فاتَّسِعِي حتَّى آخَرِ شِريَانِي،

واشْتَدِّي

واقْتَرِبِي

وامْتَدِّي

هذا نَهرٌ مِنْ نَسَغِ الجُرْحِ

وتلك رُؤاهُ

الشِّيحُ سَيَعْرِفُ مَاذا نَفْعَلُ في الدَّينُونَةِ

و الزَّوفُ

سَيُكْمِلُ ما كُنَّا فِي اللّيلِ بَدَأنَاهُ

وسَيَمْشِي شَجَرُ الخَرُّوبِ إلى قِمَّةِ مَائِي

وسَيَحْفِرُ للجمَّيزَةِ في السَّفْحِ أناهُ ..

أمَّا الدَّاليَةُ المَغْدُورَةُ ،

فَسَتَبْقى تَرْقُبُنِي ..

وسَيَكْتُبُ عنِّي الزَّعْتَرُ رُقُما

حتَّى يُحْضِرَنِي مِنْ فَلَكِ الأمْواجِ اللهُ

اقْتَرِبِي مِنِّي

اقْتَرِبِي مِنِّي

اقْتَرِبِي مِنِّي

حتَّى أنْسَى

أنِّي تَبِعْتُ

الأْزرَقَ

يَوْمًا

وتَبِعْتُ

نِدَاهُ .

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى