إبداعات أدبية

كلمة رفعت فكرى سعيد داود خلال مناقشته رسالة ماجستير عن لاهوت التحرير بجامعة القاهرة

ينشر موقع هارموني نيوز، كلمة رفعت فكرى سعيد داود، خلال مناقشة رسالة ماجستير، في الدراسات الإفريقية في قسم السياسة والاقتصاد، في موضوع لاهوت التحرير وأثره في تحرير جنوب إفريقيا، وإلى نص الكلمة:

أساتذتي الأجلاء

الأستاذ الدكتور صبحي علي قنصوة

الأستاذ الدكتور جوزيف رامز أمين

الأستاذة الدكتورة شيماء محي الدين محمود

السيدات والسادة الحضور الكرام….. أسعد الله مساءكم بكل الخير

استوقفتني مقولة مأثورة، انتشرت على نطاق واسع باعتبارها «مقولة ذهبية» قالها “(جومو كينياتا) المناضل وقائد اتحاد كينيا الإفريقي إذ قال : «عندما جاءت البعثات التبشيرية إلى إفريقيا، جاءوا ومعهم الكتاب المقدس، وكانت معنا الأرض. قالوا لنا: لنصلِّ. أغمضنا أعيننا، وعندما فتحناها كان معنا الكتاب المقدس، واستولوا هم على الأرض».

ومن المؤسف أن كينياتا كان محقا في ذلك, فهذا ماحدث في جنوب إفريقيا في عهد التمييز العنصري إذ  بررت الكنيسة الهولندية المصلحة عقيدة التفرقة العنصرية على أساس الكتاب المقدس.

ولأن المستعمر الأبيض جاء إلى أفريقيا ليستولي على خيراتها، كان لابد من حركات تحرير لاسترداد الأرض، وناضل الأفارقة من أجل استقلال بلدانهم، ومن طالبوا بالتحرير انطلقوا من عدة منطلقات وخلفيات، وتعد حركة لاهوت التحرير هي أحد المنطلقات الهامة التي ساعدت في تحرير جنوب أفريقيا.

وهذه الدراسة ستتناول أثر لاهوت التحرير على رفض العبودية والنضال من أجل تحرير جنوب إفريقيا.

موضوع الدراسة:

تعتبر حركة لاهوت التحرير Liberation Theology، حركة سياسية في اللاهوت المسيحي تركز على أن السيد المسيح لم يكن فقط “المخلص” ولكنه أيضاً محرر الشعوب التي ترزح تحت وطأة الظلم, ظهرت هذه الحركة في النصف الثاني من القرن العشرين في الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية، تطالب بأن تطبيق الإيمان المسيحي يتم بمساعدة الفقراء والدفاع عن المظلومين وذلك من خلال العمل في السياسة والأعمال المدنية.

والمنادون بلاهوت التحرير يؤمنون بأن الله يتحدث للبشرية بشكل خاص عن طريق المعدمين وبأن الكتاب المقدس لا يمكن فهمه إلا من منظور الفقراء.

ولاهوت التحرير هو القراءة الثورية للمسيحية التي من خلالها أعاد بعض آباء الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية قراءة المسيحية لمصلحة الفقراء والمعدمين والمظلومين والمهمشين، في ضوء اتجاه الكنيسة لإعادة تكييف علاقتها مع المجتمع, وهي بذلك تمثل انقلابا لاهوتيًا أدى لتوسيع مجال الإيمان، بحيث يشمل المسؤولية تجاه الواقع وتغييره، متجاوزا تغيير وإصلاح الضمير والنفس وذلك من خلال قراءة تؤكد على أن “الخلاص لا يكون بالتحرر من الخطايا فقط، بل بكل أشكال التحرر الأخرى بما فيها التحرر السياسي والاقتصادي…”، وهي قراءة تزاوج بين الخلاص وتحرر الإنسان، وبين الإيمان والعمل السياسي، وبين ملكوت الله وبناء العالم.

وإذا كانت هناك إضافة حقيقية قدمتها قارة أمريكا اللاتينية للفكر الإنساني في القرن العشرين، فهي “لاهوت التحرير” الذي يعد بحق إبداعا لاتينيًا خالصًا جدد رؤية المسيحية في القرن العشرين.

وقد كان تأثير حركة لاهوت التحرير متجاوزا لأمريكا اللاتينية والوسطى إلى داخل الولايات المتحدة نفسها التي كانت أكثر طرف تصدى لهذه الحركة وحاربها؛ لأن هذه الحركة تقوم بتمكين المستضعفين خاصة في ظل وجود أقلية معتبرة من أصول مكسيكية بل وظهرت فيها حركة (لاهوت التحرير الأسود) متأثرة بنفس المنطق (إعادة قراءة المسيحية لمصلحة فئة معينة هي الأقلية السوداء)، حيث أعاد بعض الأمريكان السود من أتباع المذهب البروتستانتي قراءة المسيحية لمصلحة السود كرد فعل لعنصرية البيض وتمييزهم ضد السود، لكنهم انتهوا إلى نوع من العنصرية المضادة، وإلى الإعلاء من السود باعتبارهم العرق الأنبل، واعتبرت أن المسيح هو نبي السود ومخلصهم, حتى صارت هناك رؤية لمسيحية سوداء بإزاء المسيحية البيضاء!

وستظل حركة لاهوت التحرير إحدى علامات الفكر الإنساني الهامة في العصر الحديث، والتي تفيد في تطوير رؤانا بشأن علاقة الدين بالعدل والإيمان بالحرية والكرامة الإنسانية للفئات المهمشة والمستضعفة في عصر عولمة الرأسمالية وتدويل سلطة السوق.

اللاهوت الأسود:

مصطلح اللاهوت الأسود لم تخترعه كنيسة جنوب أفريقيا بل هو وليد أمريكا الشمالية, ولكن هذا المصطلح دخل إلى جنوب أفريقيا عام 1971 من خلال المؤتمر الذي عقدته في ذلك العام الطوائف المسيحية المختلفة, بواسطة الحركة المسيحية الجامعية, فأصدر المؤتمر بيانا من أجل “فكر لاهوتي أسود”, وفي هذا البيان تعريف لهذا التيار اللاهوتي الجديد ورسالة السيد المسيح كما يراها “الفكر اللاهوتي الأسود”, الذي يرى ضرورة العمل الصائب لتحرير الشعب الأسود, لا من ابتعاده عن الله فقط بل من عقلية الاستسلام للعبودية أيضا ومن عقدة النقص التي يعانيها ومن عدم ثقته بنفسه, ومن تبعيته المستمرة للآخرين التي أفضت به إلى أن يبغض ذاته.

 إشكالية الدراسة

من المعروف أن الأديان وجدت من أجل رفاهية الإنسان وسعادته لا من أجل بؤسه وشقائه, ولكن ماحدث في جنوب أفريقيا من استغلال سيء للدين بغية استعمار الأبيض للأسود, كان لافتا للنظر, ومعاكسا للغرض الحقيقي للدين, فكيف يمكن أن تنحاز نصوص الكتاب المقدس للإنسان الأبيض وتعتبره أعلى قيمة ومكانة من الإنسان الأسود؟!

من هنا جاءت هذه الدراسة لتفند التفسير الخاطىء لنصوص الكتاب المقدس والتي حاول المستعمرون تفسيرها وفقا لمصالحهم ومطامعهم, وكيف واجه اللاهوت الأسود التفسير الاستعماري لنصوص الكتاب المقدس.

 تساؤلات الدراسة

  • ماهو المقصود بلاهوت التحرير؟
  • ماهي المصادر الفكرية للاهوت التحرير؟
  • ماهي الأصولية المسيحية؟
  • ماهي أوجه الشبه بين الأصوليات الدينية؟
  • ماهي سمات العقل الأصولي؟
  • كيف حدث التوظيف الاستعماري لنصوص الكتاب المقدس؟
  • كيف نشأت رابطة إخوان أفريكانرز؟
  • ماهو دور لاهوت التحرير في تحرير دولة جنوب أفريقيا؟
  • ماهو اللاهوت الأسود؟
  • كيف نشأت حركة الوعي الأسود؟
  • ما هو موقف المسيحية من الفصل العنصري ؟
  • ماهو موقف كنائس العالم من التفرقة العنصرية؟

 تقسيم الدراسة

للإجابة على تساؤلات الدراسة تم تقسيمها إلى مبحث تمهيدي يتناول مفهوم لاهوت التحرير وتطوره ومصادره الفكرية, وتعريف علم اللاهوت, ونشأة لاهوت التحرير, وهل من علاقة بين الفكر الماركسي ولاهوت التحرير؟ والروحانية المحررة ولاهوت التحرير, ثم الحديث بالتفصيل عن أثر لاهوت التحرير على تحرير جنوب أفريقيا في ثلاثة فصول يتناول أولها الأصولية الدينية المفهوم والأنماط, والأصولية المسيحية والفرق بينها وبين الإنجيلية, كما تناولت بالشرح الأصوليتان الإسلامية واليهودية, وأوجه الشبه بين الأصوليات, وسمات العقل الأصولي, والسمات المشتركة للحركات الأصولية.

أما الفصل الثاني فيتناول التوظيف الاستعماري والعنصري للكتاب المقدس في جنوب أفريقيا, ونشأة رابطة الإخوان الأفريكانرز والتفسير الاستعماري لنصوص الكتاب المقدس, والأفريكانرز والتفسير الصهيوني للكتاب المقدس.

ويركز الفصل الثالث على الدور الفكري والحركي للاهوت التحرير في تحرير جنوب أفريقيا, واللاهوت الأسود والوعي الأسود, والدور الحركي للاهوت التحرير في جنوب أفريقيا, ودور ستيف بيكو في حركة الوعي الأسود, وديزموند توتو واللاهوت الأسود, وآلان بوساك وفريدريك دوجلاس, وكذلك العنصرية المرفوضة كنسياً وكتابياً, وإدانة مجلس الكنائس العالمي للتفرقة العنصرية, ودعوة الكتاب المقدس للتعددية العرقية, وختمت الدراسة ببعض النتائج ورؤية لاستشراف المستقبل.

الإطار الزماني والمكاني

  النصف الثاني من القرن العشرين في دولة جنوب أفريقيا

ففي هذه الفترة وصل الحزب الوطني في جنوب أفريقيا إلى السلطة 1948 وفي هذه الفترة شهدت ممارسات كثيرة للتمييز العنصري وكذلك حدوث مذبحة شاربفيل 21 مارس 1960  .

ويمكننا تلخيص نتائج هذه الدراسة في النقاط التالية:-

  • برز لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية كدليل على إمكانية تحول الدين من إيديولوجيا تبريرية في خدمة الطبقات المهيمنة والفئات الحاكمة, إلى طاقة روحية لتحرير الجماهير من الهيمنة السياسية والإستغلال الإقتصادي.
  • إن روحانية التحرير محورها الوصول إلى الإنسان المقهور، إلى الطبقات الاجتماعية المستَغَلة، والمحتقرين بسبب عرقهم، الاقتراب الشخصى إلى الله يقتضى التضامن مع المظلوم, إن رسالة الانجيل، بطبيعتها محررة، وهي تدعونا لأن نحيا كما فعل المسيح الحاضر فى الذين يعانون القهر والاغتراب, تدعونا لأن نكرس ذواتنا بجلاء وبشكل واقعى وملموس للنضال من أجل الفقراء و المقهورين والمظلومين بغض النظر عن لونهم أودينهم أو جنسهم أو جنسياتهم.
  • تعتبر رابطة إخوان الأفريكانرز بجنوب أفريقيا من أقدم الحركات الأصولية المسيحية في القارة الأفريقية،اعتبرت أن التفرقة العنصرية هي خطة الله الأصلية عند التعامل مع البشر، ودعمت سياسة الفصل العنصري ضد السود وحرمانهم من ممارسة حقوقهم السياسية والاجتماعية والدينية، وتم تبرير كل تلك الممارسات بأن هذا هو النهج الإلهي الذي أمر الله به في الكتاب المقدس .
  • الأصولية غالبًا ما تستمد تعاليمها من نصوص مقدسة، ومايؤمن به الأصوليون يمثل حقيقة غير قابلة للتساؤل والشك، وعلى المؤمنين المخلصين لهذه المعتقدات – أي الأصوليين- أن يعيشوا حياتهم، ويوجهوا نشاطهم وفقًا لهذه المعتقدات، ولذلك فإن الحركة أو الممارسة هي مكون أساسي من مكونات الفكر الأصولي، وإلا ظل هذا الفكر مجرد مذهب نظري انعزالي لا يؤثر في حياة الناس، وقد تغلب الحركية أحيانًا على الأصولية وتصل إلى العنف أو الإرهاب أو النزعة القتالية، نظرًا لأنها تظن أنها ذات رسالة إلهية تسعى إلى تغيير الآخرين، كما أنها ترفض التعايش مع بيئة تختلف عنها، لذلك تسعى لهداية وتبشير الضالين، أو الكفار أو المنحرفين، فإذا لم تجد الهداية، كان القتال والقهر هما السبيلان لنشر الدعوة، وهذا الأمر الآخر يُفسر لماذا تتجه معظم الأصوليات الدينية نحو خلق أجواء وظروف للمواجهة، أكثر من التعاون والتسامح والحوار.
  • تلتقي كل الأصوليات حول فكرة: أن النص الموجود والذي يمثل مرجعيتها الأساسية، يحتوي على كل مجموعة من الحقائق الحية الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان، والتي تتجاوز تاريخيتها وجغرافيتها.
  • يختلف العقل الأصولي عن أي عقل آخر منفتح، العقل الأصولي هو ذلك النوع من التفكير الذي يُخضع العقل للنقل أو لسلطة النص الديني، ومن أهم الخصائص الذهنية التي تميز العقل الأصولي:

أ- العقل الأصولي عقل نكوصي ماضوي، يقدس الماضي ويتحرق شوقًا للعودة للأرحام المرجعية في الفقه واللغة والأفكار، ومن ثم يتم نفي الحاضر والمستقبل لحساب هذا الزمن المُطَهَر من كل الخطايا.

ب- يتسم العقل الأصولي بعداوته للتفكير العلمي، وانجذابه للاعقلي الأسطوري، العقل الديني الأصولي المتطرف، يستخف بمبدأ السببية، ويفسر العلاقة بين الإنسان والعالم والأشياء من خلال عناصر غيبية ومن خلال الخوارق والمعجزات.

ج-الذهن الأصولي يعاني من أحادية البعد، فهو يعجز عن إدراك أن للحقيقة عدة أوجه وليس وجهًا واحدًا، أنه يفكر من خلال ال “مع ” وال” ضد”، والشئ ونقيضه، إن الذهن المتطرف يعطي لنفسه الحق في الامتلاك المطلق للحقيقة، وهذا الزعم يعطيه الحق في نفي الآخر ورفضه ثم تكفيره تمهيدًا لسحقه وتصفيته

د-العقل الأصولي عقل دوجمائي، والدوجمائية أو الدوجماطيقية، هي نوع من الاعتقاد المطلق في امتلاك الحقيقة التي تعلو فوق النقد والشك.

ه-يتأسس العقل الديني الأصولي من خلال منطق الثنائيات المتقابلة: الروح مقابل الجسد، الآخرة مقابل الدنيا، الجنة مقابل النار، الإيمان مقابل الكفر، هذه الثنائيات تعتمد على مقولة منطقية فاسدة هي مقولة:”إما أو”، فالأشياء: إما أبيض أو أسود، والبشر: إما مؤمنون أو كافرون،لامعنى لدى الذهنية الدينية الأصولية للمعاني البينية، أو التي تقع في المنتصف بين الطرفين المتناقضين.

 

 

  • إن تفسير الكتاب المقدس تفسيرا استعماريا كان له دور بارز في تطور الاستعمار الأفريقاني والقومية الأفريقانية فقد قامت الغالبية من اللاهوتيين الإصلاحيين الهولنديين جنوب الإفريقيين باختراع الفصل العنصري ما بين 1930 – 1960 .
  • في عام 1969 ظهر مصطلح اللاهوت الأسود, ويعتبر أصحاب اللاهوت الأسود إن هذا النوع من اللاهوت يسعى لتحرير القاهر الذي يتجرد من إنسانيته، لأنه يجرد الآخرين من إنسانيتهم، وهو أيضًا يسعى لخلاص المقهور ورفع الظلم عنه.
  • رفضت كنائس العالم التفرقة العنصرية, ففي سنة 1979م أعلن ” ديزموند توتو ” قائلًا ” نحن أعضاء مجلس كنائس جنوب أفريقيا، نؤمن أن جنوب أفريقيا كيان واحد غير عنصري، إذ أن لكل إنسان فيها قيمة، لأنه مخلوق على صورة الله، وأن مجلس الكنائس العالمي ليس منظمة سوداء أو منظمة خاصة بالبيض، بل هو منظمة مسيحية تعتني بالمضطهدين والمستغَلين في مجتمعنا, كما قال أيضًا ” على مثال المسيح سيدنا، نحن مدعوّون إلى العمل من أجل السجناء والفقراء والمقهورين والمعزولين والمحتقرين.
  • توجد رؤيا مسيحية صحيحة للمجتمع المتعدد الأعراق. يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية الفصل 3 الآيات 28-29).“لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى،لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ”.

رؤية استشرافية للاهوت التحرير

سيظل شوق الإنسانية إلى الحرية والعدالة والمساواة يحركها إلى الأبد, فقد كان هذا هو همها الأساسي منذ بداية عقلها ووعيها حين قرر الإنسان أن يجعل من هذه الأرض مكانا صالحا لوجوده, وأن الحياة تستحق أن تعاش بجعلها أكثر سعادة وجمالا, ويعتبر الدين هو النشاط البشري الذي حاول أن يضفي على كل شيء معنى, لذا فإن الدين وسع اهتماماته لكي يتوافق مع الحياة, ولم تعد المؤسسة والطقوسية الجافة قادرتان على إعطاء المعنى للأشياء والذي هو جوهر الأديان, وهذه علاقة جدلية مستمرة بين الدين والواقع لأن طريق علاقة السماء والأرض هو باستمرار ذو اتجاهين, فالدين يزيد روحانية الإنسان وهذا بدوره يزيد إنسانية الدين, وبالتالي لن يكون الدين معزولاً أو بعيداً عن خدمة الناس كما يخدمون هم الله, وفي هذه اللحظة تماما تنتفي فكرة الاغتراب التي شجعت البعض على وصف الدين بأنه أفيون الشعوب لأنه ينزع عنهم اهتمامهم بالحياة الأرضية وبالآخر وبالذات وينصب الاهتمام على العالم الآخر, ويوجه المرء كل جهده لغير الدنيوي ويعتقد أن في هذا السلوك الخلاص, لقد صار الدين يمثل الالتزام بالحياة وبالإنسان العادي. 

إن الفكر اللاهوتي الحقيقي والإعلان الكتابي عن الله يستطيعان وحدهما أن يحررا البشرية من الكبرياء والتحامل العرقيين, فلأن الله إله الخليقة فهناك وحدة الجنس البشري, ولأن الله إله التاريخ فهناك تنوع للثقافات العرقية، وبسبب وحدة الجنس البشري من المحتم وجود حقوق متساوية واحترام متساو للأقليات العرقية .

وكذلك يمكن للاهوت التحرير أن يقدم النموذج في ضرورة تبني دور العبادة في كل الأديان, احترام ثقافات الديانات الأخرى مع احتفاظ كل دين بعقيدته, مع العمل معا على خوض معركة العدالة وتحرير الإنسان, الأمر الذي يتطلب تبني طقوس في قلب الحياة الإنسانية وفي خضم نضالات الإنسانية اليومية, فالوقوف إلى جانب المظلومين والفقراء والمهمشين بغض النظر عن لونهم أو دينهم أو جنسهم أو جنسياتهم هو ممارسة حياتية وليس مجرد قراءات وصلوات طقسية, وهنا يصبح الدين فيتامينًا للشعوب بدلاً من أن يكون أفيوناً لها, يصبح الدين مقوياً لقدرة الشعوب على صنع الحياة والتغيير, لا مخدرا لها لتقبل القهر والاستعمار والاستعباد والاستبعاد . 

لقد وجدت الأديان من أجل حرية الإنسان ورفاهيته, ولكن من المؤسف أن الإنسان بعنصريته وبكبريائه استغل سلطته في شرح وتفسير النصوص الدينية، ففسرها لصالح أطماعه وعنصريته وذكوريته, ومن هنا نشأت التفرقة العنصرية وظهر التمييز على أساس الجنس واللون والدين, ومن هنا انتشر العنف والإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان.

ورفضا لكل هذه المساوئ, ظهر العقلاء من البشر الذين رفضوا التفرقة العنصرية وكافحوا التمييز, ومن ثم أعملوا العقل في النصوص الدينية وفسروها لصالح حقوق الإنسان رافضين جميع أشكال التمييز بين البشر .

ولازال الصراع مستمرا بين الأصوليين الداعمين للتفرقة العنصرية وبين الحداثيين دعاة التنوير واحترام حقوق الإنسان, وهذا الصراع من المحتم أن يحسم لصالح الداعمين لحقوق الإنسان الرافضين لكل أشكال التمييز, وتاريخ جنوب أفريقيا هو خير دليل على ذلك.

شكر واجب

وفي ختام كلمتي لايسعني إلا أن أشكر الله الذي ساعدني وقواني على القيام بهذا العمل, فلولا معونته ماكان هذا الإنجاز, كما يطيب لي أن أتقدم بخالص الشكر للسيد الأستاذ الدكتور صبحي علي قنصوة أستاذ العلوم السياسية بالكلية, وذلك لتفضله بالإشراف على الرسالة, وعلى مابذله من جهد, وما أسداه لي من عون, وماقدمه لي من توجيهات ونصائح, كان لها عظيم الأثر في إعداد الدراسة.  

كما يطيب لي أن أذكر بالتقدير والعرفان كل من ساعدني في إعداد هذه الدراسة منذ البداية, وعلى رأسهم المرحوم الأستاذ الدكتور إبراهيم أحمد نصر الدين, الذي كان أستاذًا للعلوم السياسية بالكلية, والذي كنت أتمنى أن يكون معنا اليوم لولا إرادة الله برحيله عن عالمنا, كما لايفوتني أيضا أن أذكر بالتقدير والعرفان, المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الخبير محمود عطا الذي كان أستاذا للعلوم السياسية بكلية التجارة جامعة أسيوط والذي توفاه الله, والذي لم يبخل علي بوقته وعلمه ونصائحه المخلصة لإتمام هذه الرسالة .      

كما يسعدني أن أتقدم بعظيم شكري وامتناني لكل من: الأستاذة الدكتورة / شيماء محي الدين محمود أستاذ العلوم السياسية المساعد بالكلية, والأستاذ الدكتور جوزيف رامز أمين الأستاذ بقسم الدراسات الأفريقية بمعهد الدراسات القبطية بالقاهرة, لتفضلهما بالموافقة على المشاركة في لجنة المناقشة والحكم على الدراسة.

كما لايفوتني أن أشكر أساتذتي وزملائي في قسم السياسة والاقتصاد بالكلية, والقائمين على المكتبة, على ماقدموه لي من مساعدات يسرت لي إنجاز هذا العمل.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بالشكر والعرفان بالجميل إلى من آثروني على أنفسهم, وعلموني معنى الحياة, وبذلوا كل الجهد بكل الحب من أجل مساندتي ودعمي ماديا ومعنويا, أمي وأبي وأخوتي.

كما أشكر زوجتي وأولادي الذين وفروا لي الوقت, وسبل الراحة, والمناخ الملائم لإنجاز هذا العمل .

والشكر لله أولا وأخيرا.

وشكرا لحسن استماعكم.

 

رفعت فكرى سعيد
رفعت فكرى سعيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى